في وداع الوزير

وصلت الحكاية إلى نهايتها مع ترك وزير الداخلية السابق الدكتور عبدالقادر قحطان لمنصبِه وتعيينه سفيراً في وزارة الخارجية.

 

ومع تسليمه السيارات التي كانت في عهدته إلى الوزارة كسابقة لوزير داخلية؛ نبدأ فصل تعديد المحاسن التي كان عليها، بل إنّ البعض شعر بالحزن عليه أو ربما على غياب مسؤول كان ينفث غلّه فيه بسبب ودون سبب.

 

الأصل في المسؤولية أن تُحاط بالنقد والمراقبة، والقاعدة القاسية لعلماء السياسة أنه لا يحق لمسؤول الشكوى طالما قبل منصباً ما؛ وإلا كان عليه أن يجلس في بيته، وربما القصد أن عليه تحمُّل عبء المسؤولية ومنها عبء التعرُّض للنقد.

 

جاء وزير الداخلية السابق قحطان في ظروف استثنائية مثلما كانت الثورة في عنفوانها، كانت الثورة المضادة أيضاً في عنفوانها، وسيعمل وزير الداخلية الجديد في وضع وصلت الثورة والثورة المضادة إلى مرحلة من الهدوء بعد مراحل قُطعت من الهيكلة حتى الحوار وقرار مجلس الأمن الأخير.

 

وأول حادثة رسمت صورة الوزير الجديد حينها في 2012م بأذهان الناس لهذا الوزير هي اقتحام وزارة الداخلية، وكان الانطباع الأول الذي تصدره الذاكرة دائماً ويترك أثره إلى آخر اللحظات؛ لم يكن الوزير يحب التعامل مع الإعلام، لكنه قاد حملة إعلامية عنوانها ”الأمن مسؤوليتي“ وظل طوال الوقت يحاول أن يفعل شيئاً لكنه الخرق الذي اتسع على الراقع.

 

أتذكّره في أول خطاب له أمام مجلس النواب مع وزير الدفاع وهو يطالبنا بـ “التوئدة” قلت حينها ربما إنه فعلاً بهدوئه عليم بالبواطن، أو أننا جهلة بمطالبتنا له أن يفعل شيئاً من أجل أن يستتب الأمن، وكانت الفترة السابقة عصيبة إلى درجة أن حادثة تنتهي وأخرى تبدأ؛ كانت طاقات التخريب تفوق ما يقابلها من إصلاح.

 

عُرف عن قحطان بيروقراطيته وإيمانه بما يؤمن، اشتهر بنزاهته مع الجميع، والمؤسف أن هناك من يطالبه بالتنازل عن مبادئ مثل هذه، وبعضنا يطالب بوزير يقتل ويقصف ويسجن، فحسب رأيهم نحن لا ينفع معنا إلا العنف، وفي هذا منطق من لديه قابلية للاستبداد والفوضى التي تجعل القانون في آخر القائمة مقدّمة عليه الأهواء الشخصية.

 

خرج قحطان ولم يُعرف عنه أن تنازل عمّا آمن به، فعل ما رآه صحيحاً، ولم يستسلم للضغوط الهائلة المباشرة وغير المباشرة لفعل شيء آخر لم يؤمن به، أدّى واجبه بهدوء، وانصرف بهدوء دون أن يطلب شيئاً ودون وساطات، ترك أهم منصب وزاري وذهب غير آسف.

 

***

وبما أننا في عهد وزير داخلية جديد؛ فالبداية مبشّرة خاصة مع حُسن تعامله مع الإعلام بدءاً من تصريحه بتهنئة الشرطيات في عيد المرأة، ومطالبته الأحزاب برفع يدها عن أجهزة الأمن، ننتظر الأداء الأمني دون أحكام مسبقة.