حقاً .. السياسة دياسة!

أتابع منذ عدة أعوام، تقلبات المواقف السياسية، التي يتخذها ويتعامل بها بعض زعماء عالمنا المتخلف، ونحن في مقدمتهم، وأذكر فقرتين كتبهما د. منيف الرزاز أحد رؤساء الحكومات العراقية في كتابه "التجربة المرة" الذي تمكنت من قراءته، وتوصلت إلى نتيجة عن ما يقصده الرزاز في كتابه، حيث يقول: "في كل قطر عدد ضئيل جداً من السياسيين يحكمون البلاد، بل في كثير منها مواطن واحد فقط مسموح له بالعمل السياسي، وحتى رئيس الوزراء يتحول إلى موظف تنفيذي".
أتذكر هذه الفقرة كلما رأيت زعيماً وأشخاصاً ينتقلون من اليسار إلى اليمين، ومن الأمام إلى الخلف، ومن فوق إلى تحت، يتلونون كالحرباء، على وزن شعار أحد المشروبات "لكل ذوق ما يشتهي" دون أن يحسبوا ويحسوا لمشاعر الناس وإرادتهم حساباً.
ويشير الدكتور منيف الرزاز – عراقي الجنسية، إلى هذه الظاهرة في كتابه المشار إليه آنفاً .. عن "الحرية ومشكلتها في البلدان المتخلفة" فيرى أن الديكتاتورية لا تريد من الشعب إلا أن يتبعها، وأن يؤمن بما تؤمن به أو يكفر به دون مناقشة أو جدال، مثل ما كان يحدث عندنا في المحافظات الجنوبية، أثناء حكم نظام الحزب الماركسي "نفذ ثم ناقش" بما معناه، عندما يكون الفأس في الرأس، وسقط الضحية على الأرض مغشياً عليه، تعال بعد ذلك ناقش، وهذه هي من أعجب العجائب في السبعينات، حيث إذا قررت الديكتاتورية فجأة أن تفكر بما كانت تؤمن به، توقعت أن يستن الناس سنتها .. فقد يغير الحاكم ما يؤمن به بين سنة وأخرى، وما على الشعب حينئذ إلا أن يغير إيمانه معه، بل وفي نفس الوقت، وكأن الناس وصلوا معه إلى القناعات نفسها، دون أن يسمح لهم بتقديم أو تأخير .. فالديكتاتورية تنشد "تبعية" تسميها وحدة الشعب ووقوفه الموحد خلف المواطن الوحيد المسموح له بالعمل السياسي، وحقاً إن السياسة دياسة!!.

مقالات الكاتب