حتى لا ننسى!

في الدول الشيوعية، كما كان عندنا في السابق في السبعينات ركاب ومشاة، الركاب لا ينزلون أبداً، والمشاة يتطلعون أو ينظرون إليهم في غيرة وحقد واشمئزاز، وبلا أمل .. الركاب في الظل والراحة والنعيم، والمشاة تلسعهم الشمس الحارقة وأحياناً لا يجدون رصيفاً أو زاوية يمشون عليها .. الركاب أصحاب السلطة والثروة والمراكز، والمشاة بقية الشعب، وفي كل بلاد العالم طبقات .. طبقة تركب وطبقة تمشي، ولكن هناك أمل باستمرار في أن يتحول المواطن من طبقة إلى أخرى، بعمله وعرقه وجهده، بالذكاء والعبقرية.
في دول العالم تتداول الأحزاب السلطة، حسب رغبة الجماهير، وفي انتخابات حرة، وهناك تتولى الصحافة الحرة إلقاء الأضواء الكاشفة على حسنات الأحزاب وعيوبها، وتترك للصندوق الانتخابي القرار النهائي، ويحدث تبادل بين الركاب والمشاة، تركب المعارضة وتمشي الحكومة، وهذا ما حصل عندنا وعند غيرنا .. لا تجد في الدول الحرة الغنية أحزاباً تحكم إلى الأبد، وعندما حكمت رئيسة وزراء بريطانيا في السابق "تاتشر" لمدة 10 سنوات كانت معجزة تحدث عنها الجميع .. أما في الأنظمة الشيوعية يظل الحزب الحاكم حاكماً إلى أبد الدهر .. كما حصل عندنا إلى أكثر من عشرين سنة وربنا سلم أن الاتحاد السوفيتي وأحزاب الدول الشيوعية انهارت، وإلا لأصبحنا بين "حانة ومانة" وأي تعديل هناك يتم فقط بإرادة الله .. كما حدث مع تيتو وبريجنيف وغيرهما، أو بثورة شعبية كما حدث في بولندا، وأعضاء الحزب الشيوعي الحاكم يتداولون السلطة، ولا يعترفون بالفشل .. من فشل كوزير ينقل سفير .. فإذا فشل أصبح محافظاً .. فإذا فشل دخل البرلمان "مجلس الشعب" بالتعيين .. فإذا أكد فشله أصبح أميناً للحزب، وأمناء الأحزاب الشيوعية موظفون بالحكومة، لهم حق ركوب السيارات الأبهة "المرسيدس وغيرها من السيارات الفارهة" وقبض المخصصات وغيرها، ولا يخرج من نعيم الحزب الحاكم إلا من كفر به .. وأشرك به .. كل جرائم السرقة واستغلال النفوذ يمكن أن تغفر لعضو الحزب الحاكم، ولكنه يخرج من الجنة إذا تحدث عن فساد الحزب .. أما يومنا هذا فالفاسد "السارق" في الأجهزة الحكومية، إذا اختلس أو سرق فهو "رجال – شاطر وأحمر عين" يا سلام على ذلك المُنكر، في المجتمعات الحرة الغنية، يمكنك أن تكون من طبقة الركاب ببعض الجهد، وفي المجتمعات الشيوعية لن تركب أبداً إلا إذا دخلت زمرة المنافقين للحزب الحاكم أو في يومنا هذا أن تصاهر وتناسب، وهذه هي أصول المحسوبية.
وطبيعة الأمور أنه لا يمكن أن يستمر الحال دون تغيير، لا يمكن أن يظل الراكب راكباً إلى الأبد، والماشي طالعة عينيه .. فقد كل شيئ حتى الأمل في التغيير، ومواطن بلا أمل، مواطن ساخط يائس.
ولذلك رأينا بعض الأنظمة الشيوعية تحاول أن تعالج ذلك عند المواطن .. فالاتحاد السوفيتي سابقاً يفتح الآن نوافذه للحرية من كل جانب، وبولندا تعترف بالانتخابات الحرة، والكثير من دول المنظومة الاشتراكية تغيرت الأحوال فيها بانتخابات ديمقراطية نزيهة .. دفنت الشيوعية في مقابر "عبادة الفرد" أما عن العالم الثالث، فإنه يلعن والد الشيوعية، التي ظل يطبق أنظمتها المتأخرة، وما كان ينطبق في الدول الشيوعية ينطبق عندنا في العالم العربي، حيث لا هناك حاكم خرج من الحكم بصورة مشرفة، القذافي قتل، زين العابدين هرب ومطلوب من قبل المحاكم التونسية، رئيس مصر "مبارك" في السجن ويحاكم حالياً، رئيس سوريا ينازع ومطارد ورئيس اليمن مخلوع ومحروق، والبقية تأتي .. إنا لله وإنا إليه راجعون .. لأنهم لا يدركون "أن القناعة كنز لا يفنى" لكن ما عليش "فاقد الشيئ لا يعطيه" .. مهما ناور ومهما قال!.

مقالات الكاتب