الاصطفاف الوطني ضرورة ملحة ومصيرية

كل الدول تتوق إلى النهوض من كبوتها وتشتتها، لن يتأتى ذلك إلا من خلال توحد قياداتها وأحزابها السياسية ونسيجها السكاني بمختلف فئاته الطبقية ومنظمات المجتمع المدني، ولن نرى النور في رؤيتها المستقبلية إلا إذا أيقنت أن مصيرها دون الاصطفاف والتوحد قد تنهار كل القيم الأخلاقية وتنزلق الأمور الأمنية إلى نقطة اللاعودة، قد يفقد السلم الأهلي وسكينته العامة وأمنه وممتلكاته وحريته، ولا يقوى على العيش لوحده دون محيطه الاجتماعي بتفشي ظواهر الحرابة والسلب والنهب وضياع مقومات الدولة، والتي تنظم حياتنا التي لا نحسد عليها .

ويأتي هذا الاصطفاف الوطني كضرورة ملحة ومصيرية للخروج بالبلد إلى بر الأمان، والكل يعيش هذه المرحلة الصعبة والمرة في حياة شعبنا اليمني الأبي، وفي ظل قيادة سياسية ممثلة بالمشير عبدربه منصور هادي رئيس الجمهورية بدعوته إلى الاصطفاف الوطني في مرحلة لا تقبل أية مبررات لحالات الانقسام في القضايا المصيرية التي يجب على الكل أن يدلي بدلوه تجاه هذا الإجماع، خصوصاً واليمن يمر بأصعب مرحلة سياسية وأمنية واقتصادية قد يتحول إلى دولة فاشلة ويلحق بالدول العربية التي لم تتدارك ذلك الانهيار المريع، الذي وصلت إليه بسبب التشرذم السياسي وإذكاء روح الفتنة والمصالح الفئوية العتيقة التي أكلت الأخضر واليابس، وأصيبت شعوبها بكل أنواع التشرد والقتل، وفقدانهم كل شيئ بظهور المليشيات والجماعات المسلحة وتجييش الأحزاب السياسية دون الاتجاه إلى لغة الحوار .

واليمن اليوم في أمس الحاجة لهذا الاصطفاف والذي وصل إلى مفترق طرق خطيرة، إذا ما حكّمت كل القوى السياسية العقل في تنفيذ كل مخرجات الحوار الوطني والعودة إلى جادة الصواب في التطلع إلى غد أفضل، يضمن الحياة الكريمة للمواطن اليمني في شماله وجنوبه على حد سواء، واتخذا مبدأ الشفافية في تسيير عمل الحكومة المنتظر تشكيلها من الكفاءات الوطنية، وعدم التمترس خلف التوجهات السياسية للأحزاب، وتعمل بروح وطنية للنهوض باليمن إلى مصاف الدول التي تثبت أولى خطواتها لبناء دولة المؤسسات والقانون، ودون الارتهان إلى القوى التقليدية والعتيقة، التي كانت سبباً أساسياً فيما وصل إليه وضعنا المتردي والصعب، وعلى القوى الصاعدة أن تعزز مكانتها وحضورها السياسي بتجسيد روح التغيير الفعلي لبناء الدولة الحديثة التي يتوق إليها كل اليمنيين شمالاً وجنوباً، وما يتوافق مع مخرجات الحوار الوطني كبداية مهمة لمرحلة سياسية ينال فيها كل ذي حق حقه، دون التوجه إلى إعادة إنتاج الأزمات من جديد بما تحمله من تفتت لمقومات الدولة وزيادة المآسي والمحن التي تئن منها كل منطقة في اليمن جراء الصراعات المسلحة بين قوى الأحزاب المسلحة في هكذا مناطق، وتحمل القوات المسلحة مصاعب ومهاماً صعبة في حماية الممتلكات العامة والخاصة، ومواجهة الإرهاب الذي أعاد انتشاره في كثير من المناطق، ويأتي ذلك والقوات المسلحة يعاد هيكلتها وتموضعها في البلد لخارطة طويلة تنفيذاً للمبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني التي أجمع عليها اليمنيون، حتى ولو هناك فصائل في الحراك الجنوبي لم تقره وتوافق عليه، وذلك من حقهم السياسي وتطلعاتهم، وليس من باب الحكمة أن تظل كل القوى السياسية في البلد دون حراك تجاه القضايا المصيرية التي إذا ما ظلت على مواقفها، وأقصد هنا القوى الصاعدة والتي تكسب حاضنة كبيرة في كثير من المحافظات وأهمها أنصار الله، الذي يظهر جلياً حجم أنصاره، والذي نتمنى أن يكون في مقدمة القوى السياسية التي تتبنى الدعوة إلى الدولة المدنية والحديثة وتجسد ذلك بتنفيذ مخرجات الحوار الوطني في كل فعالياتها السياسية السلمية والمشاركة الفعلية في أي حكومة وطنية مرتقبة لتصحيح الممارسات الخاطئة في الحكومات السابقة من قبل القوى التقليدية التي تضرر منها الشعب اليمني ككل، وليس أنصار الله لوحدهم من المظلومية السياسية التي لحقت بهم ومن خصومتهم الأساسية مع حزب الإصلاح سابقاً .

وتأتي التحركات الشعبية التي دعا إليها زعيم أنصار الله في مرحلة مهمة في حياة اليمنيين شمالاً وجنوباً، وليس هناك موانع في التعبير السلمي، ومن الحكمة أن يتجه الكل ِإلى الانفراج السياسي والأخذ بمبدأ الحوار في المشاورات التي تتم الآن مع أنصار الله، واحترام كل القوى السياسية لوجود الدولة وفرض هيبتها كضمان حقيقي للحفاظ على ديمومة العمل السياسي مع وجود للإصلاحات الحقيقية والملموسة، التي تصل إلى المواطن اليمني كحزمة متكاملة لميزانية الدولة والحد من التهريب والفساد المالي في مختلف الوزارات والازدواج الوظيفي والوظائف الوهمية واستغلال نفوذ بعض القوى التقليدية التي تجمع بين السلطة والثروة .

وعلى الجميع أن تتضافر جهودهم في الشراكة في السلطة دون إقصاء أي طرف سياسي في اليمن، ودون ذلك – لا سمح الله – ستذهب اليمن إلى المجهول والمواطن يتطلع بروح التفاؤل أن تعي كل القوى السياسية أهمية السير إلى الإجماع الوطني وبآليات جديدة ليس فيها غالب ولا مغلوب .

مقالات الكاتب