الغريب : الجنوبيون يخلقـون نهجا جديدا للجنوب ولمستقبل الشباب .. والتاريخ الحالي سيمحو التاريخ المزور

عدن / الطريق نيوز / علي الجابري
علي هيثم الغريب المحامي رئيس الدائرة السياسية في المجلس الأعلى للحراك السلمي لتحرير الجنوب ، لا يخفي في لقاءه مع "الأكاديميين "، وكذلك كلمته في يافع على هامش فرح أحد المناضلين الذي جمع فيه أغلب قيادات المكونات غضبه من الذين يحاولون أن يحولوا الثورة الجنوبية التحررية من نهج جديد إلى "ثورة تقليديّة" شبيهه بثورة ستينيات القرن الماضي ، لكنّه في الوقت نفسه يتفّهم "ظروف هؤلاء وما يمنعهم من تقديم أداء يرتقي إلى مستوى تضحيات الجنوبيين . ويرى الغريب أن مشكلة العمل الثوري التحرري اليوم لا يتعلّق بالآليات بل "في غياب شخصيات قيادية يمكن أن تأخذ زمام المبادرة في توحيد صفوف الثوريين ، من أجل هيئة قيادية متماسكة وجامعة.
ويصف الغريب ، إصراره على مشاركة شرائح المجتمع الجنوبي (سلاطين وعمال , مشائخ وصيادين , علماء دين واكاديميين , شباب ومرآة) في مجمل الأعمال النضالية ب "الوطنية " ، ويردّ: أن رفض مشاركة بعض هذه الشرائح من قبل بعض "كتبة الماضي" يعود إلى "الواقع النفسي والاجتماعي والسياسي للحكم السابق عموماً"، الواقع الذي أنتجه النظام السابق والحالي في الجنوب في ظل الاحتلال اليمني, والذي كان أحد مرتكزات إستمرار احتلال اليمن للجنوب العربي.
من جانب آخر، لا ينفي الغريب تماماً قيام بعض نشطاء الحراك بأعمال مسلّحة لطرد الاحتلال اليمني من قبل بعض المناطق ، لكنّها "حوادث محدودة في المكان والزمان، شهدت استخداماً لأسلحة فردية من جانب مواطنين مدنيين في حالتي الدفاع عن النفس . وفي السياق نفسه، يرفض رفضاً تامّاً "عسكرة الحراك الثوري"، ويرى بأنّه "لا جدوى في غير استمرار السلمية، ولا أرى في العسكرة إلا بداية طريق نحو نزاعات داخلية وإعطاء مبررات لإثارة الخصومات بين الجنوبيين أنفسهم , ولكنه أضاف: إذا أستمر ضرب الجنوبيين بوحشية أكبر , فالمثل العربي قد ينطبق على الحراك السلمي مستقبلا وهو" إن كان إلا الأسنة مركبا , فما حالة المضطر إلا ركوبها"...
ويضيف: "ما حققه الحراك الجنوبي عبر سلمية نضالاته ماثل للعيان في محافظات الجنوب ومديرياته ومراكزة واحيائه السكنية وحاراته وشوارعه ، وهذا مما لا يجوز التخلي عنه". ويرى أن "الطابع الشعبي للحراك الثوري , والطابع الوطني للعمل السياسي واستمرار سلميّته يشكّلان الضمان لعدم الانزلاق في مسارات الخصومات الجنوبية-الجنوبية".
ويعتبر المحامي الغريب ،أن غياب الإجماع الدولي والإقليمي حيال الحراك الثوري الجنوبي متعلّق، بالإضافة إلى مصالح هذه الأطراف و"حساباتها"، بـ"التأخّر في إيجاد قيادة وطنية متماسكة , بحيث تشكل غطاءا سياسيا متوافقا عليه من قبل مكونات التحرير والاستقلال القائمة". هذا الغطاء يعتبره عاملاً يسهم في عملية الحفاظ على الوحدة الجغرافية الجنوبية ويسهم في الإجابة على أسئلة المجتمع الدولي: مع من نتخاطب؟؟ . ويصف المحامي الغريب ما يقوم به الجنوبيون الثائرون بأنّه "عملية خلق لوطن ونظام ومستقبل وإنسان، من ركام جاهلي صنعه الاحتلال واستبداده خلال العقدين الماضيين. في الأحوال كافة، يلتحق الشعب الجنوبي اليوم بالتاريخ العالمي المفتوح ويعبر حاجزا شكلته طبيعة العلاقة المزورة بين الجنوب واليمن وهذا أعاق تفاعل الجنوب مع العالم لخمسة عقود".
فإلى الأسئلة والأجابات:
س- هناك من يطالب اليوم بمحاكمة رموز من نظام صنعاء . كحقوقي ومحامي، هل تعتقد أن الأمر ممكن؟ هل من ملفات معدّة بخصوص انتهاكات حقوق الإنسان الجنوبي أو حتى جرائم ضد الإنسانية يمكن أن تساهم في رفع دعوات من هذا النوع؟
ج- أعتقد أن رفع دعوة في الوقت الحالي سيكون "تحصيل حاصل" بحكم الوضع الدولي.. ولكن وبالتأكيد هناك ملفات معدة بهذا الخصوص وتقارير حقوقية دولية وصفت ما ارتكب من قبل الاحتلال اليمني على أنه يرقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية. لكن للأسف فإن إحالة هذه الملفات إلى محكمة الجنايات الدولية هو رهن بقرار سياسي للمجتمع الدولي أكثر منه بطبيعة تلك الجرائم.
س2- كنت، مع غيرك، من المساهمين في تأسيس "المجلس الأعلى للحراك السلمي لتحرير الجنوب ، كيف تنظر اليوم إلى دور المكونات وعملها؟ وهل لك أن توضح عن الملابسات التي دعت بعض مكونات الحراك إلى عدم الانضواء في ما بات يُعرف اليوم بـ"المؤتمر الجنوبي الجامع"؟
ج2- المكونات الجنوبية التحررية تقوم بدور على عدة مستويات، ميداني وسياسي وإعلامي. وأعتقد أنها تميزت على المستويات الثلاثة وحافظت على أدائها الوطني بشكل مقبول في ظل الظروف المحيطة.
وكنا نرى أن الأجدى عمليا وسياسيا صيغة ائتلاف تحافظ على المكونات المتحالفة في المرحلة الأولى، وتمهد للاندماج حين تتعرف تلك المكونات إلى بعضها وتوجد آلية لتوحيد هياكلها بشكل لا يؤدي إلى الفوضى في النضال.
س3- ما هي حقيقة الأخبار التي شاعت والتي تحدّثت عن وجود خلاف مع الأمين العام لمجلس الثورة السلمية قاسم عسكر؟
ج3- الأخ قاسم عسكر أخ عزيز ومناضل , وهو بعد أن التحق بالحراك عام 2007م رحبنا فيه , ونحن نعم أختلفنا حول المشروع الوطني الجديد للجنوب ..هو يريد التحرير وفق نهج الشمولية , ونحن نريد تحرير مع نهج التعايش وقبول الآخر الجنوبي .. هذا كل ما في الأمر. 
س4- ما هي الآليات التي تعتقد أنّ مكونات الحراك السلمي بحاجة إليها لتوحيد جهودها وهيئاتها التمثيلية؟
ج4- ربما أكون مخطئ، لكن بتقديري ليست المشكلة في الآليات، وإنما في غياب شخصيات الخارج عن المشهد الجنوبي الحالي , وهنا تعطل القرار الذي كان يمكن أن يأخذ زمام المبادرة في توحيد صفوف المكونات من أجل هيئة قيادية تمثيلية جامعة , وكذلك للإجابة على كثير من الأسئلة الدولية. ولكن الحمد لله هذه المرحلة وغياب من اعتمدنا عليهم في قيادة الداخل كشفت عن خامات شبابية واعدة.
س5- لم توّفر ثورة صنعاء قيادات من الثوّار الشباب، هل تعتقد أن الحراك يسير على نفس هذا المنوال؟ هل أنتج الحراك الجنوبي قادته الشبان المؤهلين للمشاركة في العمل السياسي؟
ج5- توجد اختلافات جوهرية بين أحوال العمل النضالي في كل من صنعاء وعدن. ويوجد اختلاف في تركيبة المعارضة في صنعاء والحراك السلمي في الجنوبي , وكذلك في تركيبة نظام صنعاء من حيث تعامله مع الحراك الجنوبي ومع المعارضة في صنعاء ، فالحراك لا يعتبر جزء من نظام صنعاء لكن المعارضة اليمنية هي جزء من النظام نفسه ,وهنا لا يوجد تشابه بينهما، ثم أنه في صنعاء يوجد هامش كبير لبناء خبرات في العمل السياسي ومنظمات مجتمع مدني ناشطة وصحافة حزبية وحرية وصولا إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وكلها لم تتوفر أبدا للحراك الجنوبي. حيث سيطرت الأجهزة الأستخباراتية والقمعية على مفاصل المجتمع الجنوبي كافة وتفريغه المنهجي للمجتمع من أية ممكنات لتكوين حراك اجتماعي أو سياسي ، وكذلك عنفه وبطشه ، يقلص إمكانات تشكل قيادات للحراك . والحملات المستمرة منذ بدء الحراك الجنوبي عام 1994م وإنطلاقته عام 2007م ضد القيادات والنشطاء الشباب، بدءا من الاعتقال وانتهاء بالتصفية الجسدية، تحول دون الظهور والتبلور لمثل هذه القيادات في الجنوب ،لذا أعتمدنا على القيادات السابقة التي كانت هاربة في الخارج , ومع الأسف خذلتنا تلك القيادات , لكن توجد خامات رائعة وواعدة يصقلها يوميا الحراك المستمر منذ سنوات.
س6- منذ بدء الحراك الجنوبي السلمي ، والشعب الجنوبي صامد رغم كل القمع والجرائم البشعة التي ترتكب بحقّه، بينما نرى أن المكونات غير قادرة على تحمّل مسؤوليتها التاريخية تجاه ما يحصل. برأيك، هل هناك خلافات حقيقية داخل المكونات تمنعها من الاتفاق، هل هي غير مؤهلة لتحمل المسؤولية؟ وبصورة عامّة، ما رأيك في أداء القيادة في الخارج خلال فترة الحراك الجنوبي السلمي؟
ج6- أشعر بالأسف والغضب من أداء القيادة في الخارج ، لكن أتفهم في الوقت نفسه ظروفها وما يمنعها من تقديم أداء يرتقي إلى مستوى تضحيات الجنوبيين. ما يُسمى بالقيادة في الخارج هي أخطاءت عندما أعتمدت على هيكل حزبي متهالك في الداخل , وهذا الذي حد من قدرتها على العمل السياسي، صحيح إنها حافظت خلال الاربع السنوات الاخيرة على وجود رمزي لها ؛ لكن أداءها خلال هذا العام (2014م) كان بائسا وباهتا،. يجب أن نكون واضحين ونعترف أن الأداء السياسي لتلك القيادات كان رخواً وبطيئاً بالمجمل طوال الأشهر القليلة السابقة من هذا العام، مع كل ما نتج عنه من أمراض مرافقة. هذه الأمراض، وهذا الضعف في القدرة على التكيف مع سرعة الحراك في الشارع هو جزء من مآسينا في ظل الاحتلال الذي منع عنا أبسط حقوقنا في المشاركة وإبداء الرأي.. وهو جزء مما نثور ضده أصلا.
س7- فيما يخص القيادة في الخارج ، هل تعتقد بأنها تمتلك تمثيلاً جديّا في الشارع الجنوبي المنتفض؟ وما هو تقييمك لنشاطها حتى اليوم؟
ج7- نعم , يوجد لهم تمثيل , الآن بدأ يضعف بصورة كبيرة. ومع الأسف كل قيادي في الخارج له مكون تنظيمي يصله بالداخل. ونتمنى من قيادة الخارج أن تقوم بدور محفز ومشجِّع للحراك الشعبي في الداخل. جميعنا يدرك أن قدرة قيادات الحراك في الخارج على التحرك بحرية وسهولة اتصالاتها بالدول والمنظمات الإقليمية والدولية يقدم خدمة كبيرة للحراك الجنوبي السلمي ، لكن مع الأسف بعض تلك القيادات ورثت أمراض الماضي التي انعكست سلبا على الداخل. بطء في الحركة وتراخي إرادة العمل الدؤوب والتنافس بين مكوناتها . وأعتقد أن الأيام الحالية ستشهد بروز فرز حاد بين أطراف القيادات في الداخل والخارج؛ لكنه فرز ضروري لإعادة تركيب المشهد السياسي والحراكي في الجنوبي.
س8- كيف تنظر إلى ما يفعله الشعب الجنوبي اليوم؟ هل يصنع المستحيل؟
ج8- أننا من خلال هذا الحراك الثوري التحرري نصنع استقلالنا الثاني، ونناضل من أجل التخلص من نظام قروسطي لنبني دولة حديثة، وننسج نهج جديد للجنوب يتمكن فيه كل مواطن جنوبي من المشاركة في صنع مستقبل بلده وتحقيق العدالة الاجتماعية والحكم الرشيد. شخصياً، تجتمع عندي كل هذه التصورات، وأحب أن أختصرها في كلمتين التعايش وقبول الآخر. نحن متعطشين للسنة النبوية , ومتعطشين لخلق وطن جديد ومستقبل مضئ وإنسان حضاري، بعد هذا الركام المطلق الذي صنعه عنف النظام السابق وهمجية الاحتلال اليمني خلال عقود. نريد أن نحطم تلك الثقافة المتطرفة الملعونة التي بدأت تدب في جسد الحراك الجنوبي ،وتعيق تفاعل الحراك الجنوبي مع العالم.
س9- هل ترى أنه مع الاستهداف المنتظم للحراك الجنوبي وبؤر المنازعات في بعض الساحات بلا رادع ما زال هناك جدوى من الحفاظ على سلمية الثورة؟
ج9- لا أرى جدوى في غير استمرار السلمية، ولا أرى في العسكرة إلا بداية طريق نحو نزاعات داخلية وإعطاء مبررات لأدوات الاحتلال اليمني التي زرعها في الجنوب للضرب بوحشية اكبر. ما حققه الشعب الجنوبي عبر سلمية نضالاته ماثل للعيان في المحافظات والمديريات الأكثر حراكاً، وهذا مما لا يجوز التخلي عنه.
س10- مرّ على الحراك الجنوبي السلمي سنوات طويلة حتى الآن، هل تملك تقديراً عن الوقت الذي سيلزمه لينجح في طرد الاحتلال اليمني ؟ سنة سنتان؟
ج10- لا أعتقد أنه سيكون زمنا قصيرا بحكم المشاريع المنتقصة التي دخلت في جوف الحلول للقضية الجنوبية ، وبحكم التيار المتطرف الذي ظهر في الجنوب , ولكني لا أملك معطيات ملموسة للتحدث عن جدول زمني لطرد الاحتلال. لكن أمارات التحرير بدأت تظهر، في قلوب وعقول الجنوبيين أولاً، وفي لجوء اطراف الحكم في صنعاء إلى الإسراع في تبني تقسيم الجنوب إلى أقليمين وإعتماد شكل النظام القادم "دولة إتحادية" في مسعى منها إلى وقف الحراك الثوري الجنوبي قبل أن تبدأ عوامل خارجية وداخلية تفعل فعلها .
س11- يتحدث البعض أن الاعتماد دائما على مظاهرات متنقلة قد يكون السبب وراء بقاء الحراك كل هذه المدة، فهل هذه الإستراتيجية المتبعة هي الأنجع لانتصار الحراك ؟ ما هو الأسلوب أو الأساليب التي تعتقد أنّها سوف تساهم في إنجاح الحراك الجنوبي السلمي؟
ج11- توزع المظاهرات والإحتجاجات من أقصى الجنوب إلى أقصاه هو ما ضمن للثورة استمرارها. كنا نعمل على إيجاد ميدان تحرير واحد , ولكن في ظل الأمكانيات الشحيحة جدا تظل فكرة حتى تتحقق, وكذلك في ظل وجود الفكر المتطرف الذي يدعى أنه الوريث الشرعي للحراك الجنوبي , مع أن هذا التيار لم يأت إلا من خلال ثورة فبراير 2011م في صنعاء. لقد سبق وأشرت إلى أن طبيعة نظام الاحتلال والخطاب الذي يعتاش عليه وإدراكه لدلالة "ميدان تحرير واحد" في عدن مثلا أو حضرموت كلها عوامل تساهم في استماتته دون نجاح الجنوبيين في الوصول إلى ميدان تحرير واحد. بل وسيستخدم القوة الوحشية لمواجهة الثوار , والإفكار المتطرفة لتقسيم ساحات التحرر الوطني الجنوبية.
س12- الاحتلال مكون من أطراف قبلية وعسكرية وتجارية شرسة وقوية، ويمكن أن تقوم بشن حرب إبادة ضد الشعب الجنوبي دون حسيب أو رقيب، فهل تعتقد أو تأمل حقّاً بإمكانية خروجه من الجنوب؟
ج12- لا شك لدي بأنه سيطرد من الجنوب. وقلت إن شرعيته التي جاء بها عام 1990م قد أنتهت بحرب 1994م , وحاليا مشروع الوحدة سقط تماما من قلوب وعقول الجنوبيين ، الاحتلال فعلا فقد شرعيته، ولم يبق له سوى وجوده المادي والعسكري . لكن بالتأكيد هناك خشية من أن تطول مرحلة إستعادة الدولة بهويتها الجنوبية مع ضعف المواقف الأقليمية والدولية من الجرائم التي يرتكبها والنهب المنظم لثرواتنا.
س13- هل تعتقد بوجود شخص يمكن أن يستجيب له المحتجين في حال طلب منهم وقف الاحتجاجات , والمشاركة ب مخرجات الحوار الوطني؟
ج13- لا أعتقد بوجود شخص من هذا النوع. الأسباب التي دفعت الجنوبيين للحراك الثوري التحرري ما تزال قائمة. وليس لشخص أو مكون أو حزب أو جهة "وكالة" على حراك بهذا الاتساع والتجذر. الاحتجاجات والمظاهرات لن تتوقف قبل أن تحقق أهدافها.
س14- هل من تقدير لحجم مشاركة شرائح المجتمع الجنوبي (وهذا هو المصطلح الذي أطلقته أنت منذ وقت مبكر كما يقال) في الاحتجاجات على الأرض؟
ج14- كأفراد هناك مشاركة معقولة. لكن الواقع النفسي والاجتماعي والسياسي لهذه الشرائح عموماً، والتي خلفتها ثقافة الماضي يمكن أن يفسر ضعف مشاركتها الجمعية. فإحدى الركائز الرئيسة لقوة الاحتلال اليمني تجاه المجتمع الجنوبي هي نجاحه في احياء صراعات الماضي , وفي خلخلة البنية المجتمعية وتخويف بعض الجنوبيين من البعض الآخر؛ فالاحتلال يقول لحكام ما قبل 67م الذين يقودون الحراك اليوم هم من طردوكم عام 1967م , ويقول لمن حكموا الجنوب بعد 67م وحتى 90 : هذه القوة القديمة تريد تنتقم منكم , أي يعاملونا كأننا"كراكيس" , كما نجح الاحتلال في استثمار النزاعات الأهلية القائمة في أكثر من محافظة جنوبية في خلق التشكك في عقول هؤلاء تجاه أي محاولة لتوحيد الصف الجنوبي النضالي.  
س15- هل من عوامل قد تسهم، أكثر من غيرها، في تسريع عملية الاستقلال ؟
ج15- العامل الأساسي في تسريع عملية الاستقلال هو استمرار الحراك الجنوبي السلمي وتوسع قاعدته الاجتماعية من خلال انضمام المترددين والمنتظرين للحظة المناسبة. وكذلك تشكل واجهة سياسية وطنية جامعة للحراك الثوري الجنوبي ، تجمع قديم الجنوب وجديده، تجمع الآباء والبنين ، يمكن أن يسهم أيضاً في تسريع هذه العملية. ويمكن أن تكون للضغوط الدولية والإقليمية والمقاطعة والعقوبات دورا في ذلك أيضاً.
س16- هل هناك وسائل نضالية أخرى؟
ج16- أكيد , شيء طبيعي أن توجد , حاليا ندرس أمكانية أيجاد ساحة تحرير واحدة في عدن وسنرى، في يوم ما، حشودا من جميع أنحاء الجنوب حشودا تزحف نحو العاصمة لتحتل ساحاتها بإذن الله تعالى, لا لتحتفل(فقط) بمناسبة وطنية.
ففي إجابة سابقة ذكرت أن إيجاد "ساحة تحرير واحدة" في الجنوب أمر يستميت الاحتلال دون حدوثه، لكن تنامي قوة الحراك مع تزايد ضعف نظام صنعاء يمكن أن يؤديا إلى زحف من هذا النوع. كلنا يذكر ما فعله نظام صنعاء في ساحة الحرية في خور مكسر وفي ساحة المنصورة وفي ساحة الهاشمي في عدن لئلا يتمركز المتظاهرون في أي منها. الاحتلال يعرف جيدا معنى تجمع مئات الآلاف من المتظاهرين في ساحة أية مدينة في الجنوب.
س17- يروج الاحتلال منذ البداية لاحتمالات الفتنة بين المكونات , ونعرف أن الحراك مخترق ، هل ترى أن الواقع على الأرض يحمل بذوراً كهذه، الآن وفي المستقبل القريب؟
ج17- الاحتلال اليمني يدفع منذ بداية الحراك الجنوبي السلمي باتجاهين: عسكرة الحراك وإثارة الفتن بين وداخل مكوناته .. حتى الآن قاومنا بشدة هذه المحاولات بكثير من الصبر والوعي . لكن مع استمرار ثقافة التخوين وما يتعرض له الشرفاء من تشويه ، وخطاب بعض قوى الحراك المتطرف على حساب خطاب المدنية والحداثة والتعددية. ربما تكون الاحتمالات أقرب للتحقق في وقت ما للأسف. أي إذا أستمر خطاب التطرف المدعوم من قبل الأجهزة الأمنية للاحتلال ربما تحقق صنعاء هدفها في تمزيق الحراك الثوري الجنوبي.  
س18- ما هي الأسباب التي تحول دون توسّع الحراك شعبيا في الساحات؟
ج18-باستثناء الأماكن غير المأهولة بالسكان ، لا توجد بقعة في الجنوب لم تنخرط في الحراك الجنوبي ، مع وجود تباينات في حجم أعداد المتظاهرين ومدى استمرارية التظاهر: يومي أو أسبوعي.
س19- الآن ومستقبلاً، ما هي الكيفية التي سيتم من خلالها التعاطي مع المؤيدين، لاسيّما أن قسماً لا يستهان به منهم يتذرعون بالخوف من التهميش والإقصاء وربما الانتقام بعد طرد الاحتلال اليمني ؟
ج19- الوثائق التي صدرت عن كثير من قوى الحراك أكدت على مبدأ التعايش وقبول الآخر العدالة القانونية والتسامح وليس الثأر والانتقام. فلا يمكن أن تكون هناك محاكم ثورية في الجنوب إلا للمسئولين الشماليين الذين تلوثت أيديهم بدماء الجنوبيين . الطابع الوطني للحراك الثوري السلمي واستمرار سلميته سيكونان ضمانتين لعدم الانزلاق في مسارات التطرف وما يمكن أن يجر المجتمع والحراك السلمي إليها.
س20- كيف تنظر إلى مسألة بناء الدولة الجنوبية بعد استعادتها؟
ج20- بناء الدولة سيجري من خلال إعادة تأهيل مؤسسات الدولة الحالية في الجنوب وفي مقدمتها الجيش وأجهزة الأمن بعد خروج الاحتلال , لن يكون هناك هدم كما يروج له البعض , بل إعادة تأهيل نفس هذه المؤسسات لأن أغلب القائمين عليها هم من خيرة الكوادر الجنوبية. صحيح أن بناء الدولة الجنوبية سيكون صعب , ولكن الأمر يحتاج إلى إعادة هيكلة وبناء على أسس جديدة من غير هدم. وهو إذا وجدت المصداقية الوطنية لن يستغرق الأمر في تقديري الكثير من الوقت والجهد. فلا يوجد عندنا "جيش عقائدي" ولا أديان ولا مذاهب فقط توجد لدينا "أنا ومن بعدي الطوفان". وتالياً، فإن ما سيجري في الجنوب لاحقاً هو إعادة بناء مفهوم "الجيش الوطني" بمهامه المعروفة والمقرة في كل الدول. وهذا ما ينطبق إلى هذه الدرجة أو تلك على مؤسسات الدولة الأخرى كافة: تحويلها من مؤسسات سلطوية إلى مؤسسات وطنية .
س21- ما هي المخارج المحتملة للوضع في الجنوب؟ هل من سبيل لطرد الاحتلال دون تدخل دولي ؟ ألاّ تعتقد أن معظم قرارات المجتمع الدولي حتى الآن هي ضد الحراك الجنوبي السلمي وليست ضد الاحتلال اليمني؟
ج21- عندما بدأ الجنوبيون حراكهم التحرري لم ينتظروا دعما، ولا حتى تفهما، من جانب القوى الدولية. بدأوا مشوارهم القاسي بإرادتهم ومن أجل أنفسهم، ولأسبابهم الخاصة. لكن سلوك الاحتلال ومنهج القمع الوحشي ومآلات ما يجري في صنعاء والوصاية الدولية عليها يدفعان البعض إلى التفكير بجدية في طلب تدخل دولي. أما العقوبات التي جاءت في قرار 2140 لسنة 2014م فمعظمها موجه إلى أفراد. والمجتمع الدولي يمنح نظام صنعاء خاصة (وأن كان على رأسه مواطن جنوبي) , مزيدا من الوقت.
س22- في حال حدوث أعتراف دولي بالدولة الجنوبية هل يمكن أن يقدم الأقليم العربي والاسلامي دعما للشعب الجنوبي؟
ج22- لست في موقع يمكنني من الإجابة على هذا النوع من الأسئلة. لكني آمل أن تدرك القوى الإقليمية والدولية ذات الصلة بالشأن الجنوبي إن من حق الشعب الجنوبي ، وخاصة بعد كل هذه التضحيات، تقرير شكل وطبيعة نظامه السياسي القادم. وعلى عكس الدول العربية الأخرى التي صنعت حتى اليوم "الربيع العربي"، لم يكن الدعم الدولي للاحتجاجات في الجنوب على مستوى ما يحدث فيها، فلا يوجد دعم , ولا حتى أبره واحده. وهذا شيء مرحلي ممكن أن يحدث , خاصة وأنه لا يبدو أن إجماعاً دولياً أو إقليميا قد تشكل حيال القضية الجنوبية حتى الآن. ولا أعتقد أن حسابات الدول هي العامل الحاسم في ذلك، ثمة- في رأيي – أن المجتمع الدولي تأخر في الأعتراف بالقضية الجنوبية , كون الحراك الثوري الجنوبي هو الآخر تأخر في تشكيل غطاء سياسي متوافق عليه من قبل الأطراف الجنوبية يساهم في إقناع المجتمع الدولي بالوقوف إلى جانب الحق الجنوبي في إستعادة دولته. وهذا لا ينفي أن لدول الإقليم والقوى الدولية حسابات في الجنوب تختلف عن تلك التي أجرتها في شأن الثورات العربية الأخرى.
س23- ما هو تقييمك للمبادرة الخليجية؟ هل تجد فيها إمكانية لحل القضية الجنوبية؟
ج23- أعتقد أن المبادرة قصرت عن مطالب الشعب الجنوبي . قد تفيد المبادرة نظام صنعاء في كسب الوقت عبر تمنعه عن التعاطي مع القضية الجنوبية حينا وطلب إجراء تعديلات على ما تبعها من تسويات حيناً آخر، رغم رفض كثير من اطراف الحكم في صنعاء المعلن لمخرجات ما يسمى بالحوار الوطني... تلك الاطراف الحاكمة تريد المبادرة الخليجية وليس مخرجات ما يسمى بالحوار الوطني.
س24- أعذرني هناك سؤال قبل الأخير : هل الجنوب مخترق سياسيا؟ , وهل أصبح عبارة عن لعبه سياسية بين القوى الحزبية الشمالية ,التي تدخل في تحالفات متبدلة ومتغيرة مع بعضها البعض؟.
ج24- بكل تأكيد الجنوب مخترق من خلال الاحزاب اليمنية,ولفهم هذا الإختراق لابد من الإستعانة بعدد من الامثلة على رغم ما تثير هذه الامثلة من حساسيات:
أولا: ماهي الاهداف الحقيقية وراء قيام الحزب الاشتراكي اليمني في الجنوب عام 1978م؟؟, وماهي الأهداف الحقيقية لتأسيس التجمع اليمني للأصلاح بعد إعلان مشروع الوحدة؟؟ , وكيف أصبحا(الاصلاح والاشتراكي) شريكين بعد احتلال الجنوب عام 1994م؟؟ , وأنا هنا لا أتحدث عن أخطاء أو منجزات الحزب الاشتراكي أو جرائم الاصلاح أو حتى المناضلين الصادقين داخلهما ,ولكني أتسأل عن الاهداف الحقيقية لقيامهما ومسلكهما بعد التأسيس , وبعد احتلال الجنوب.
والأختراق هو إختراق سياسي , وكانت هناك قواعد للعبة السياسية الحزبية تتمثل في:
أ‌-          إن نمط التحالفات والاختلافات بين/داخل الحزبين(الاشتراكي والاصلاح) يسمح بدخول الجنوب إلى "اللعبة في إطار الوحدة اليمنية" , بل وتتخذ المبادرات السياسية في الجنوب من قبل تلك الاحزاب , بل وهي التي تتبنى القضية الجنوبية أمام المجتمع الدولي , وما , ما يسمى بالحوار الوطني اليمني إلا دليل من ألف دليل , رغم أن السيد جمال بن عمر أقر المناصفة بين الشمال والجنوب إلا أن نصيب الجنوبيين الذين شاركوا في الحوار الوطني 86 عضو فقط , والبقية من الجنوبيين ( 180 عضو) كان من نصيب فروع الأحزاب اليمنية في الجنوب , وكانت لهذه المناصفة ردود فعل إيجابية من قبل كل الأطراف التي تحتل الجنوب سواء كانت منطوية في أطار الأحزاب أو من خارجها.
ب‌-        تدخل القوى الحزبية في القضية الجنوبية يخضع للتنافس فيما بين الحزبين(الاصلاح والاشتراكي) ,بحيث يصعب حساب أو نتائج تلك التدخلات إلا من قبلهما ,ففي فترات سابقة من الحراك الجنوبي خضنا معركة ضد نشاطات الاحزاب اليمنية في الجنوب ومحاولاتها الاستيلاء على قيادة الحراك الثوري الجنوبي وقدمنا ثمنا باهضا , لانه كان نادرا ما يكون في تلك الفترة , في مقدور الحراك الجنوبي فرض قوته بعيدا عن الاحزاب اليمنية. لذا غيبت قضيتنا الجنوبية أثني عشر عاما (1994-2006م).
ج- خصائص القضية الجنوبية تفرض نمطا حزبيا خاصا , يجعل سياسة فرض الأمر الواقع من قبل تلك الأحزاب هي الأساس, هذا من جهة ,ومن جهة أخرى ,إنه لن يطرأ على ميزان القوى الجنوبية أي تغير لصالح القضية الجنوبية ,لأن الصراع بكاملة سيدور حول موقف ذنك الحزبين من القضية الجنوبية – إصلاح – أم تغيير - وليس حول مطالب الجنوبيين ذاتها التحرير والاستقلال واستعادة الدولة بهويتها الجنوبية.
هكذا تؤدي أي علاقة حزبية جنوبية مع الأحزاب اليمنية إلى علاقات تبعية .وعلى عدم قدرة الحراك الجنوبي على توليد المبادرات لحسم الصراع بين الشمال والجنوب (اليمن والجنوب العربي) ,أو أخذ قرارات إستراتيجية في شكل منفصل عن القوى الحاكمة في الشمال والمستحكمة في الجنوب. رغم أنهم يعرفون أنه لا توجد أهداف مشتركة أو مصالح موحدة بين الأحزاب اليمنية والحراك الجنوبي السلمي ,وبالتالي تصبح تلك العلاقات معوقا كبيرا للحراك الجنوبي السلمي.
إن أهم ما يميز تبعية الجنوب سياسيا لليمن هو إن الجنوب – بعد تغيير هويته وتاريخ أبناءه النضالي ضد بريطانيا – لحق إلحاقا تاما باليمننة التي هيمنت علية عام 1994م .فقد حكم الجنوب قبل عام 90م  من خلال أتفاقيات رسمية عمقتها ثقافة "توحيد الشطرين"(أي إن الجنوب العربي واليمن كانا موحدان فأنشطرا)،ثم تحولت هذه الأتفاقيات إلى إحتلال مباشر عام 1994م.وإن كانت دولة الكويت أقرب إلى الجنوب في أطماع الجارة العراق ,إلا إنها حصنت نفسها منذ اليوم الأول بعد  استقلالها عن بريطانيا عام 1961م بالهوية, ولم يخترقها المد الخارجي مثلما أخترق الجنوب العربي الذي غيرت هويته في ستينيات القرن الماضي.
ويمكن أن نستنتج من خلال ما ذكر ,أن الجنوب كان مخترقا سياسيا وتابع ثقافيا قبل احتلاله سلميا عام 1990 واحتلاله عسكريا عام 1994م.  
س25- الأستاذ علي هيثم الغريب بعد عشرين عاما من الحراك والاعتقالات والمحاكمات والتباينات ، هل تعبت؟ هل من تشاؤم؟!
 
ج25- الأحرار لا يتعبون ولا يرتاحون إلا في قبورهم .. وأحس بعمق بتعب كل الجنوبيين الثائرين وآلامهم.. لكنني أتذكر أننا كنا على هذا "التعب" قبل الحراك الثوري، لسنوات طويلة وبشكل يومي، وأذكر في عام إجتثاث الجنوب 1994م كنا نفتقد لأمل حقيقي بالخلاص.. اليوم الحرية أقرب من أي وقت مضى.. وهذه الانتصارات العظيمة التي حققها الحراك تحيل التعب وقودا لاستمرارنا..