الرياض ترسم معادلة جديدة لأمن البحر الأحمر
أيمن محمد ناصر
لم يكن اجتماع الرياض اليوم مجرد لقاء عسكري دولي، بل إعلانًا عن انتقال المملكة العربية...
إ
بدا علي عبد الله صالح (الذي يتمسك بالعديد من الألقاب ويرفض أكثر منها مما لا يعجبه) في خطابه المسجل الموجه إلى قادة الدول العربية المجتمعين في مدينة شرم الشيخ المصرية في مؤتمر القمة العربية، بدا حزينا عاطفيا رقيقا ودودا حميميا كملائكة الرحمة وكاد أن يبكي وهو يخاطب الزعماء العرب، ليشكو لهم المآسي التي تعيشها اليمن، ويتوسل إليهم أن يوقفوا الضربات على صنعاء وأن يدعوا اليمنيين إلى طاولة الحوار وهو مستعد أن يشارك فيه، تحت مظلة الجامعة العربية أو الأمم المتحدة وفي أي عاصمة، بينما يعلم الجميع أن صالح هو من يعطل الحوار وهو من أوصل اليمن إلى هذا الوضع المأساوي، بينما سرق من ثرواتها عشرات المليارات كان يمكن لها أن تجعل اليمنيين أكثر ثراءً من مواطني البلدان النفطية المجاورة وربما أتى مواطنو البلدان المجاورة التي يعاني بعضها من البطالة للبحث عن العمل في اليمن.
هناك الكثير من النقاط المتناقضة والمراوغة والمحشوة بالتصنع والزيف والتي يمكن لأي محلل نفسي أن يكشف من خلالها كم كان الرجل مصابا بحالة من الانفصام أو ما يسميه علماء النفس بالشيزوفرينيا، لكن هذا ليس موضوعنا سوى من منطلق تناول تلك المهارة الفائقة التي يتقنها هذا الرجل في التمثيل والادعاء والفهلوة والشطارة السياسية المكشوفة وادعاء الرحمة وتصنع الشفقة على ضحايا ظلمه وفساده واستبداده على مدى ثلث قرن من الزمان.
* يقول الرجل أنه سلم السلطة سلميا طوعيا حرصا على أن لا تراق قطرة دم يمنية، وهو في نفس العبارة يتحامل على ثورة الشباب السلمية التي يعلم أنه تسبب خلالها في إراقة دماء أكثر من 500 شاب وإعاقة أكثر من 2000 شاب في عدن وصنعا وتعز وإب وحجة وغيرها من مدن اليمن، وقبلها كان قد أزهق أرواح ما يزيد على 2000 شهيد من شهداء الثورة السلمية الجنوبية وقرابة ثلاثة أضعاف عددهم من الجرحى والمعوقين كل ذلك انتقاما من الجنوبيين لجرأتهم على المطالبة بإنهاء نتائج حربه الظالمة على الجنوب التي حولته (أي الجنوب) إلى غنيمة حرب بيد علي عبد الله صالح وشركائه وانتقاما من شباب الثورة السلمية اليمنية لجرأتهم على المطالبة بإسقاط نظامه وينسى صالح أنه وشريكه عبد الملك الحوثي قد تسببوا بإزهاق أرواح عشرات الآلاف من اليمنيين في حروبهم الإجرامية التي كان اليمنيون وقودها ناهيك عن ضحايا القتل والاغتيال السياسي التي تسبب بها علي صالح طوال فترة ترأسه لليمن.
* يطالب بوقف الحرب وحقن الدماء في صنعاء بينما جحافله المسلحة تواصل القتل والتدمير ونشر الرعب والسلب والنهب واقتحام البيوت وترويع الأسر من النساء والأطفال في عدن والضالع ولحج والبيضاء وبيحان وتحاول أن تعمم نفس التجربة في عموم محافظات الجنوب والشمال، إن الدماء عنده هي فقط دماء أولاده وأقربائه وجنوده وضباطه التي قد تستهدفها الضربات الجوية لما عرف بـ"عاصفة الحزم" أما الدماء التي تريقها قواته في محافظات الجنوب بالاشتراك مع حلفائه الحوثيين فهي ليست دماء ولا اعتبار لها عند هذا الرجل.
* يتحدث عن المبادرة الخليجية ويدعي بأن دول مجلس التعاون الخليجي من تقدمت بها واقترحتها ثم لا يتورع عن التصريح بأنه هو من أعد المبادرة وتقدم بها إلى دول الخليج، التي قبلتها وقدمتها للقوى السياسية.
* يقول الرجل إن ما يدور في اليمن منذ 2011 هو صراع على السلطة، ويعتقد صالح أنه بذلك إنما يشتم خصومه السياسيين وينسى أنه ظل رأس الحربة في كل الصراعات على السلطة في اليمن منذ صعوده دبابة الرئاسة بعد اغتياله الشهيد إبراهم الحمدي عام 1977م، وينسى إنه وهو المحور الأساسي في هذا الصراع إنما يصارع من أجل العودة إلى السلطة بعد أن أفسد اليمن ودمرها على مدى ثلث قرن من الزمان.
* يتحدث علي صالح عن تدمير المؤسسة العسكرية والأمنية ويدعي أنها كانت مؤسسة وطنية تمثل كل الوطن، وهو يعلم كما يعلم كل اليمنيين أن عدد الضباط من كل محافظات اليمن العشرين، لا يساوي 5% من المنتميين إلى محافظتي صنعا وعمران، الذين كلهم من قبيلته حاشد وعلى وجه الخصوص من سنحان، وأن هذا العدد الـ 5% لم يكن إلا من الرجالات الذين لم يحصلوا على هذه الرتب العسكرية إلا بعد أن ضمن صالح وأقرباؤه ولاءهم المطلق للعائلة (الكريمة).
* يتحدث عن صناديق الاقتراع ويعتبرها الفيصل في تحديد من سيحكم اليمن، وهو يعلم أنه هو الذي هدد بتحريك الطيران وتفجير الأوضاع وإعلان الحرب إذا ما أعلن عن فوز فيصل بن شملان في انتخابات 2006م الرئاسية مثل كل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية التي كانت تعلن نتائجها قبل إغلاق صناديق الاقتراع بساعات وعبده الجندي خير شاهد على ذلك.
* يتحدث صالح عن عدم كفاءة عبدربه منصور لإدارة البلد، لكنه ينسى أنه هو من رشح عبد ربه لمنصب رئاسة الجمهورية، ويعلم صالح أنه هو من أدى إلى عدم قدرة الرجل على القيام بأي مهمة من مهامه عندما ظل يضغط عليه بتعيين فلان وترقية علان واستبعاد فلان واستبداله بعلان، كما ظل يوعز لأنصاره بقطع الطرقات وتفجير أنابيب النفط وقصف أبراج الكهرباء وإثارة الاضطرابات ليبرهن أن لا أحد في اليمن يجيد الرقص على رؤوس الثعابين سواه.
* يطلب صالح من قادة الدول العربية أن يرحموا اليمنيون ويوقفوا الهجمات على معسكراته ومخازن الأسلحة التي سرقها هو وإخوانه أو التي نهبها حليفه الجديد عبد الملك الحوثي، وهو الذي لا يرحم عدن وغيرها من المدن المحاصرة بقواته ومدفعيته ومخبريه والقتلة المحترفين من أنصاره، ولم يشفق على نساء وأطفال اليمن طوال 33 عاما وهو يسرق اللقمة من أفواههم وينهب مقدراتهم ويودع ملياراته في بنوك أوروبا وآسيا وهم يعانون من التضييق والحصار والإفقار والتجهيل وإثارة الحروب والفتن، ويبحثون عن علاج المعدة والمرىء في الهند والأردن ومصر وغيرها ممن البلدان.
* يتحدث صالح عن تدمير البنية التحتية في زمن رئاسة عبد ربه منصور، والعودة باليمن إلى الخلف، وكأن اليمن كانت تمتلك شبكة القطارات ومترو الأنفاق ومحطات الطاقة النووية وتحلية مياه البحر والمطارات الحديثة وهو الذي يعلم أن الإسفلت في طرقات صنعاء وغيرها من المدن كان يتقشر بعد اسبوع من إنجاز المشروع.
إن خطاب الزعيم المملوء بالتصنع وقد جاء بعد ايام فقط من تهديده للرئيس هادي بأن الهروب لن يكون إلا إلى جيبوتي قد جاء ليعبر عن أن الرجل قد سدت أمامه كل المنافذ وإنه مستعد للخداع والتوسل والمسكنة حتى يتجنب العقاب المنتظر حتى لو اضطر إلى الانتقال من الطاغية إلى المسكين ومن الجبير إلى المتسول، ومن الجلاد إلى تقمص دور الضحية. . . إنها شيزوفرينيا الزعامة حمانا الله منها ومن مضاعفاتها.
برقيات
* يتداول مستخدمو الووتسأب مقطع فيديو لأحد مقاتلي الحوثي الذين تم أسرهم في عدن والشباب يحققون معه، ويسألونه: ماذا يقول أصحابك عن عمر وأبوبكر وعائشة، وكأننا نقاتلهم على أبوبكر وعمر وعائشة، وليس بسبب غزوهم أرضنا والاعتداء على ديارنا وقتل أبنائنا وترويع مواطنينا ومحاولة الاستبداد بحكمهم لنا.
* وأجدها مناسبة للتوجه إلى شباب المقاومة الجنوبية الأبطال بالدعوة إلى الرفق بالأسرى والجرحى من الطرف الآخر واحترام آدميتهم وعدم تعريضهم لأي مهانة أو إذلال أو إساءة، فلقد علمنا ديننا وتعلمنا عاداتنا وتقاليدنا أن الأسير والجريح أمانة في أعناقنا والحفاظ عليه وإكرامه وعلاجه وتغذيته واجب أخلاقي وإنساني وديني وتعريضه للإهانة أو الإذلال أمر ترفضه عاداتنا وقيمنا وقبل هذا ديننا الحنيف.